ocaml1.gif
العدد 10: من معاني الصيام Print
Sunday, 09 March 2014 00:00
Share

 

تصدرها أبرشيـة جبيـل والبتـرون للـروم الأرثـوذكـس

الأحد 9 آذار ٢٠١٤    العدد 10 

أحد الأُرثوذكسية / الأحد الأول من الصوم

عيد الأربعين شهيدًا

logo raiat web

 

 

كلمة الراعي

من معاني الصيام

المؤمن يشتاق إلى الصيام اشتياقه إلى صديق طيّب لأن نور القيامة يتراءى له بجهاده في هذه الفترة. الاستعداد للفصح تقوم به الجماعة كلها. الجماعة مستنفرة معا تكثف صلواتها، تتكلم عن الحبيب الإلهي الآتي الينا بالآلام وبالفرح. تمسك الكنيسة عن كثرة الطعام، عن بعض الأطعمة ليس لأن في الطعام نجاسة ولكن تقيّدًا بالقاعدة الرسولية "كل شيء مباح لي، ولكن ليس كل شيء يوافق. كل شيء مباح لي، ولكن لا يتسلط عليّ شي.

إن الأطعمة للجوف، والجوف للأطعمة، وسيُبيد اللهُ هذا وتلك" (كورنثوس الأولى ٦: ١٢-١٣). في الصوم نصبح أحرارا من وطأة الطعام ومن استلذاذ الطعام، وبذلك تزداد قدرتنا على التحرر من الشهوات الأخرى للدخول في معركة الفضائل.

في هذا تواضعٌ لأني أُقرّ بحاجتي إلى هذا العراك وأنا والإخوة معًا نقوم بهذه المعركة. أنا ألتصق بهم. نحن معًا ننتظر قيامة المخلّص، وصيامنا وسيلة على دروب هذا التهيؤ. أنا لا أنفرد عن الكنيسة فلا أدّعي القوة الروحية التي تُغنيني عن انضباط الصيام. "وكان في الكنيسة التي في أنطاكية أنبياء ومعلمون... وبينما هم يخدمون الرب ويصومون، قال الروح القدس: افرزوا لي شاول وبرنابا للعمل الذي دعوتُهما اليه" (أعمال الرسل ١٣: ١-٢). فكنيسة أنطاكية آنذاك كانت تصلي وتصوم معا، وفي حالة الصوم أَلهمها الروح القدس ما أَلهمها به.

ولا شك، في فكر الكنيسة أن الصيام الأربعيني إلزاميّ لكل الجماعة، وقد نص على ذلك القانون الـ٥٦ من المجمع المسكوني الخامس السادس، المعروف بمجمع ترولو والمنعقد في القسطنطينية السنة الـ٦٩٢، هكذا: "علمنا أيضًا انه في مقاطعات أرمينيا وفي أماكن أخرى يأكل بعض الناس بيضًا وجبنًا في سبوت الصوم المقدس وآحاده، فيلوح لنا أنه يَحسُن ان يسود نظام واحد في كنيسة الله في كل أنحاء العالم وأن يُحفظ الصوم حفظًا دقيقًا. وكما يمتنع الناس عن أكل ما ذُبح، هكذا يجب أن يمتنعوا عن أكل البيض والجبن وهما من نتاج الحيوانات الممنوع أكل لحمها". لقد أُلقي علينا نيرُ المسيح، والحِملُ خفيف لمن أَحبّ.

هذه صورة الإمساك عندنا، وقد أظهره القديسون وسيلة. وأما الغاية فهي حريّة النفس وتطهيرها من جهة، والمشاركة من جهة اخرى: "وكنتُ أُواضعُ بالصوم نفسي" (مزمور ٣٤: ١٣). وأما صوم المسيح فيقول عنه داود مسبقًا: "صرتُ منفيًا من إخوتي وغريبًا عن بني أمّي... وغطيت بالصوم نفسي فصار ذلك عارًا عليّ" (مزمور ٦٨: ٩-١١). وقد صام الرب حقا من بعد معموديته. اما فكرة المشاركة فقد أوضحها إشعياء: "الصوم الدي أُريده (يقول الرب) أن تحلّ قيود الظلم... ويُطلق المنسحقون أحرارا... أن تفرُش للجائع خبزك وتُدخل المسكين الطريد بيتك، أن ترى العريان فتكسوه ولا تتهرّب من مساعدة قريبك" (إشعياء ٥٨: ٦-٧).

تُوَفّر ثمنَ الطعام لتُعطيه للمحتاج. انت تُمسك عن الطعام ليأكل الذين لا طعام لهم: "يا نفس قد وافى زمان التوبة، فلا تتوانَي بل امنحي الجياع خبزًا وابتهلي مصلّية كل يوم وليلة وساعة إلى الرب لكي يُخلصك. كما غادرنا اللحوم وبقية الأطعمة فسبيلنا ايضًا أن نطرح عنا معاداة القريب والزنا والكذب" (من كتاب التريودي، صلاة السَحر، الاثنين من اسبوع مرفع الجبن). الكثيرون ممن لا يصومون يقولون: "المهمّ ان نكفّ عن الخطيئة". هذه هي الغاية طبعا، ولكن الصوم وسيلة وفترة جهاد لهذه الغاية. لماذا يريدون ان نُبطل وسيلة نختبرها ناجحة سنة بعد سنة ونذوق بها أن الرب طيّب؟

جاورجيوس مطران جبيل والبترون وما يليهما (جبل لبنان)

 

الرسالة: عبرانيين ١٢: ١-١٠

يـا إخوة، اذ يُحدق بنا مثل هذه السحابة من الشهود فلنُلق عنا كل ثقل والخطيئة المحيطة بسهولة بنا٠ ولنُسابق بالصبر في الجهاد الذي أمامنا٠ ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع الذي بدل السرور الموضوع أمامه تحمل الصليب مستخفًّا بالخزي وجلس عن يمين عرش الله٠ فتفكّروا في الذي صبر على مثل هذه المخالفة له من الخُطاة لئلا تكِلُّوا وتخوروا في نفوسكم. فإنكم لم تقاوموا بعد حتى الدم في مجاهدتكم الخطيئة. وقد نسيتم التعزية التي تخاطبكم كالبنين قائلة يا بُنيَّ لا تحتقر تأديب الرب ولا تُخر إذا وبخَّك. فإن الذي يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل ابن يتخذُه. فإن صبرتم على التأديب فإن الله انما يعاملكم كالبنين. وأي ابن لا يؤدبه. وإن كنتم بمعزل عن التأديب الذي اشترك فيه الجميع فأنتم اذن نغول لا بنون. وأيضًا قد كان آباء أجسادنا يؤدبوننا ونحن نهابهم فهلا نخضع بالأحرى جدًّا لأبي الارواح فنحيا. فإنهم إنما أدَّبونا لأيام قليلة وعلى هواهم. امّا هو فلمنفعتِنا حتى نشترك في قداسته.

الإنجيل: يوحنا ٤٤:١-٥٢

في ذلك الزمان أراد يسوع الخروج إلى الجليل، فوجـد فيلبـس فقال له: اتـبعني. وكان فيـلبس من بيـت صيدا، من مديـنة أنـدراوس وبـطرس. فوجـد فيلبسُ نثـنائيلَ فقـال له: إن الذي كتَــب عنـه موسى في الناموس والأنبـياء قد وجدنـاه، وهـو يسـوع بـن يوسـف الذي من الناصرة. فقال لـه نثنائيل: أمـنَ النـاصرة يمكن أن يـكـون شيء صـالح؟ فـقـال لـه فـيلبس: تعال وانظر. فرأى يسوعُ نثنائيلَ مـقـبـلا اليــه فقال عنه: هـوذا إسرائيليّ حقا لا غـشّ فيـه. فقال له نـثـنائيل: من أيـن تـعرفني؟ أجاب يسوع وقال له: قبْـل أن يـدعـوك فيلبس، وأنت تحت التيــنة رأيتُـك. أجاب نثنائيل وقال له: يا معلّم، انـت ابنُ الله، انت مَلِك إسرائيل. أجاب يسـوع وقال له: لأني قلتُ لك إني رأيتُك تحت التينـة، آمنتَ؟ إنـك ستُعايـن أعظم من هذا. وقال له: الحق الحق أقول لكم إنـكم من الآن تـرون السماء مـفتوحة وملائـكة الله يـصعدون ويـنـزلون على ابن البشر.

الولادة الثانية

الولادة الثانية هي محور الحديث الذي دار بين الربّ يسوع ونيقوديموس الذي جاء إليه ليلاً (يوحنّا 3، 1-21). وكان نيقوديموس من رؤساء اليهود ومعلّميهم وعالم بالشريعة، فأراد التعرّف بيسوع عبر طرح بعض الأسئلة عليه. فبادره يسوع بالقول: "الحقّ الحقّ أقول لك: ما من أحد يمكنه أن يرى ملكوت الله إلاّ إذا وُلد من علُ". لكنّ نيقوديموس لم يدرك أنّ يسوع إنّما يتحدّث في هذه الآية عن المعموديّة، فأجابه: "أيسع إنسانًا شاخ أن يولد؟ أيسعه أن يدخل ثانيةً حشا أمّه ويولد؟". فأجابه يسوع موضّحًا ما يقصد بكلامه، فقال: "الحقّ الحقّ أقول لك: ما من أحد يمكنه أن يدخل ملكوت الله ما لم يولد من الماء والروح. فمولود الجسد جسد ومولود الروح روح".

أولى الشهادات تأتينا من القدّيس يوستينُس الفيلسوف الشهيد (+165) الذي يقول: "نحن في ميلادنا الأوّل وُلدنا بالضرورة من والدينا. أمّا بالمعموديّة فنصير أولاد الاختيار والمعرفة وننال، في الماء، غفران ما ارتكبناه من خطايا. فيُتلى على مَن وُلد من علُ وتاب عن خطاياه اسم الله الآب ربّ الكون. فقط مَن يرد جرن المعموديّة، ليغتسل يستدعي هذا الاسم. هذا الاغتسال يسمّى استنارة، لأنّ الذين يتعلّمون هذه الأمور هم مستنيرو العقل. فيعتسل المستنير على اسم يسوع المسيح الذي صُلب على عهد بيلاطس البنطيّ، وعلى اسم الروح القدس، الذي أنبأ بالمسيح على لسان الأنبياء".

يوضح القدّيس أثناسيوس الكبير (+379)، بطريرك الإسكندريّة، المقصود بالكلام على الولادة الثانية بقوله: "إذا ما محت الأقذار صورة شخص كُتبت صورته على الخشب، فلا بدّ من حضور صاحب الصورة لإعادة تجديدها على المادّة ذاتها، فلا يُرمى الخشب بل تُجدّد الكتابة عليه. على هذا النحو أتى ابن الآب وصورة الآب الكلّيّ القداسة إلى عالمنا، ليجدّد الإنسان الذي خُلق على صورته، ويخلّص الضالّين بغفران الخطايا، كما يقول هو في الأناجيل: جئتُ أنشد الضائع وأخلّصه. لأجل هذا قال لليهود: إن كان أحد لا يولد ثانيةً، من دون أن يعني بهذا، كما ظنّوا، الولادة من امرأة، بل عنى إعادة ولادة النفس وتجديد خلقها بحسب صورة الله".

يتّفق التراث الكنسيّ على القول إنّ الربّ يسوع حين تحدّث عن الولادة بالماء والروح قصد الحديث عن روح الله الذي هو "روح التبنّي"، لأنّنا بقوّته ننال التبنّي الإلهيّ. فالمعموديّة هي الموت والقيامة، لهذا تدعى الولادة الجديدة. فالذي يولد في المعموديّة يقال عنه إنّه وُلد ثانية، لأنّه يموت أوّلاً في الماء، ثمّ يقام بقوّة الروح القدس. التغطيس يمثّل الدفن، بينما يمثّل رفع الرأس من الماء القيامة التي تتمّ بالروح القدس. لذلك، يميّز القدّيس غريغوريوس النيصصيّ ما بين الولادة الأولى التي يصفها بالجسديّة، والولادة الثانية التي تتمّ بالروح القدس، فيقول: "إنّا نعلم أنّ الجسد عرضة للموت بسبب الخطيئة، أمّا روح الله فخالد، وعديم الفساد ومنشئٌ للحياة. كما نكون في ولادتنا الجسديّة خاضعين للعودة إلى التراب، فإنّ الروح (القدس) يؤتي المولودين فيه قدرة على أن يحيوا حياة أبديّة".

يعتبر القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم (+407)، على غرار القدّيس بولس الرسول، أنّ المعموديّة تجعل المعمّد مشتركًا في موت المسيح وقيامته، فيقول: "بتغطيس الرأس في الماء يُدفن الإنسان العتيق، ويغرق بالكلّيّة في القعر ويختفي تمامًا. وعندما يُرفع الرأس، يحلّ الإنسان الجديد محلّ القديم. بسهولة نُعمّد ونُرفع من الماء، كذلك بسهولة يدفن الله الإنسان العتيق ويبيّن الجديد.وهذا يكون ثلاث مرّات لنتعلّم أنّ قوّة الآب والابن والروح القدس تُتمّ كلّ ذلك". ولـمَن يستغرب الكلام على الولادة الثانية، يتوجّه إليه الذهبيّ الفم بالسؤال: "إذا سأل أحدهم: كيف يولد المرء من الماء؟ فأنا أسأله، كيف وُلد آدم من التراب؟ كيف تحوّل التراب إلى أقسام مختلفة؟ كيف تكوّنت العظام، والشرايين، والأوردة، والعروق كلّها من مادّة واحدة؟".

يقدّم ثيوذوريطُس القورشيّ شهادة هامّة عن ضرورة تعميد الأطفال وعدم قصرها على البالغين، فيقول: "إذا كان معنى المعموديّة ينحصر بغفران الخطايا، فلماذا نعمّد الأطفال المولودين حديثًا الذين لم يعرفوا الخطيئة بعد؟ لكنّ سرّ المعموديّة لا ينحصر في ذلك، بل يتعدّاه إلى عطايا أكمل وأعظم. ففي المعموديّة وعود المباهج المستقبليّة. إنّها رمز القيامة المستقبليّة، وشركة آلام السيّد وقيامته. إنّها وشاح الخلاص، وزيت البهجة، ووشاح النور، بالأحرى هي النور نفسه".

الولادة الجديدة تعني، لدى القدّيس باسيليوس الكبير (+379)، انقطاعًا عن الماضي والبدء بحياة جديدة مختلفة كلّيًّا عن الماضية، فيقول: "من الضرورة بمكان قطع استمراريّة الحياة السالفة. فإعادة الولادة، كما يبيّن الاسم، هي بداءة حياة ثانية. فلا بدّ أن نضع حدًّا للحياة الأولى، حتّى تبدأ الثانية. فكما يدور العدّاء في الملعب ثمّ يخفّف السرعة ليعاود الركض بالاتّجاه المعاكس، هكذا يحدث في تغيير المسار، فلا بدّ من الموت ليكون وسيطًا بين الاثنين، فيضع حدًّا لكلّ ما كان من قبل، للبدء بما هو من بعد".

رسالة البطريرك الرعائية

توجّه صاحب الغبطة البطريرك يوحنا العاشر إلى رعاة الكنيسة الأنطاكيّة المقدّسة وأبناء الكرسي الأنطاكي برسالة رعائية، جاء فيها: "أيها الإخوة والأبناء الروحيون الأعزاء، يا من قوّتهم بالرب تعالى ورجاؤهم به يقوّي رجاءنا، تأتينا هذه الأيام الخلاصية التي تقود خطانا إلى درب صليب المسيح وفجر قيامته وقيامتنا، (تأتينا) حاملةً لنا رجاء يسوع وعزاءه الإلهي لإنسانه الحبيب الذي من أجله تنازل من عليائه وتجسد في حشا البتول وخضع لشريعة البشر واقتفى درب الصليب طوعًا لينهض من بين الأموات ويكون باكورةً لنهوضنا من وهاد شقائنا ومن ضيقنا الأرضيّ. آثر يسوع درب الصليب وتجرّع كأس الموت ليقول لنا وببساطة: إن ضيق الأيام لا يحجب الأمل بالنور، وإن غبار التجربة القاسية ليس له أن يحجب سطيع القيامة.

تُوافينا هذه الأيام الخلاصية، أيام الصيام الأربعيني، وقد ودّعنا إخوةً لنا وآباء وأمهاتٍ على رجاء لقائهم في نور وجه يسوع. خطفهم منا موتٌ فجائيٌّ وموتٌ قسريٌّ، بحسب منطق هذا الدهر.

تأتينا هذه الأيام ولنا إخوةٌ وأخوات مخطوفون، ومنهم مطارنةٌ وكهنةٌ ورهبانٌ وراهباتٌ وأحبّةٌ وبنون، يدفعون ضريبة قساوة هذه الأيام. نحن لن نعيّد بدونهم ولن يهنأ لنا بالٌ ولم ولن نوفر جهدًا لعودتهم سالمين. والأيام الحاضرة على قساوتها، يا إخوتي، تقوّي فينا روح التّعزية وتُنمّي روح الإحساس بالغير. الصوم يا أحبتي يقوم على ركيزة المحبة ويتقوّى برداء الصدَقة ويكتمل بخميرة الطهارة والعفّة. الصوم والرحمة صنوان لا يفترقان. الصوم والرحمة والصدقة والطهارة مع افتقاد الأخ القريب والمحتاج هي جداول تقود إلى مصبٍّ واحدٍ يُعبّد السبيل لولوج دار الرحمة الربانية ولاقتناء الرب صديقًا. ولنا في هذا المضمار في كلمات أحد آباء الكنيسة، بطرس الخريسولوغوس (الذهبي القول)، خير ما يصف ركائز الصيام وكينونته: "يا إخوة، إن الصيام الذي لا يغتذي من زاد المحبة لجائعٌ، والصوم الذي لا يرتوي من مشروب الرحمة لظمآن... والرحمة بالنسبة للصيام هي كالربيع بالنسبة للأرض؛ فكما أن النسيم الربيعيّ العليل يودي بالبراعم إلى الإزهار، كذلك تنمي الرحمة حتى الإزهار بذورَ الصيام... وما يمثّله الزيت بالنسبة للمصباح، هو إياه ما تمثّله المحبة بالنسبة للصيام، فكما يشعل دهن الزيت ضوء المصباح... كذلك تفعل المحبة في الصيام إذ تجعله يشعّ مشرقًا...

وما تُمثّله الشمس بالنسبة للنهار، تمثله الصدَقة بالنسبة للصيام؛ وكما أن بهاء الشمس يجعل النهار أكثر إشراقًا ويبدّد دجى الظلمات، هكذا تقدّس الصدَقة قدس مقادس الصيام وبنور المحبة تمحو تمامًا الموت في الرغائب".

نحن كلّنا مدعوون أن نشدّ أواصر الوحدة في كنيستنا الأنطاكيّة الأرثوذكسيّة. نحن في كنيسة أنطاكية مؤتمنون على لقب "مسيحيّين" لفظًا وأفعالاً. دعي تلاميذُ يسوع في أرضنا مسيحيين أولاً، ونحن، في كنيستنا الأنطاكية الأرثوذكسيّة، مدعوون بمحبتنا لبعضنا وبوحدة قلوبنا أن نشهد ليسوع المسيح في عالم اليوم الذي تتآكله المصالح. "أنظروا كيف يحبّون بعضهم بعضًـا" (ترتليانوس، دفاع ٣٩: ٧). لم يجد ترتليانوس أحلى من هذه الكلمات ليضعها في خطابه الدفاعي عن القيم المسيحيّة وعن السالكين بها. هذا يعني أننا بمحبتنا لبعضنا البعض وبرفضنا منطق التشهير نحفظ أنفسنا شهودًا للسيد المسيح في عالمنا. "كنيسة المسيح لا تعرف أفرقةً ولا تياراتٍ ولا خصوماتٍ، بل تعرف غيرةً للرّب، غيرةً تأكل القلوب، ولا تأكل صفحات التواصل الاجتماعي ووسائل الاتصال تشهيرًا ووعيدًا ونقضا". نحن مدعوون يا إخوتي بمنطق المحبة وبأخلاق الإنجيل وبالقنوات الكنسية أن نحل كلّ ما يعترض مسيرتنا على هذه الفانية وأن نجلو إنساننا الداخلي ونعظه قبل أن نعظ الغير.

أيها الإله العطوف يا من من أجلنا سكن في حشا البتول، وحلّ في مزودٍ وضيعٍ، واحتمل ضيق الناس، وارتضى الآلام الخلاصيّة طوعًا من أجل خلاصنا، وسكن اللحد وفيه ألْحَد الخطيئة المهيمنة على طينتنا. افتقدْنا في مسيرة صيامنا هذه وكللها بسطيع النور البازغ من قبرك المحيي، ورسّخ في قلوبنا وفي قلوب الجميع أن حجر القبر وإن كان ثقيلاً، إلاّ أنّه لم يصمد أمام نور القيامة. وفقّه القاصي والداني أن مسيحيي هذه الديار علّقوا أجراسهم من غابر الأيام رغم قساوة بعض الأزمنة. وهذه الأجراس ستغرّد صوت محبّة المسيح لكل الناس وستعزف لحن انغراس أترابه في هذه الأرض وانفتاحهم على الكل رغم وحولة التاريخ.

أعطنا يارب روح سلامك، وخفف بآلامك آلام محبّيك، وافتقد ديارنا برونق حضورك، كن مع المخطوفين والمهجّرين ورافق المسافرين وبارك بنينا في بلاد الانتشار. كن يا الله مع المحتاجين وقوّنا لنمسح بكلمة عزائك وبفعل الرحمة قلوب أبنائنا، وضم إلى صدرك الدافئ قلوب الراقدين، وتوّج مسيرة صيامنا بمرآى القيامة المجيدة، تبارك اسمك إلى الأبد، آمين.

جولة رعائية

يوم الاحد في السادس عشر من شباط ٢٠١٤، رئس سيادة راعي الابرشية المطران جاورجيوس القداس الإلهي في كنيسة القديس جاورجيوس في القصيبة. بعد القداس كان له لقاء مع ابناء الرعية في قاعة الكنيسة.

ويوم الاحد في الثالث والعشرين من شباط، رئس سيادته القداس الإلهي في كنيسة السيدة في عاريّا. بعد القداس كان له لقاء مع أبناء الرعية في قاعة الكنيسة.