رعيتي العدد ٣٥: طريق المرور من ثقب الإبرة |
![]() |
Written by Administrator |
Sunday, 31 August 2025 00:00 |
الأحد الثاني عشر بعد العنصرة والأحد الثاني عشر من متّى تذكار وضع زنّار والدة الإله اللحن ٣، الإيوثينا ١
كلمة الراعي طريق المرور من ثقب الإبرة
أوّلًا، سرّ تجسّده. الإله الذي لا يسعه مكان وُسع في حشا البتول. إنّه سّر أعظم من أن يتمّ تصويره بصورة «مرور جـمَل من ثقب إبرة». وإن كانت هذه الصورة باهتة، لكنّني أستعيرها من أجل التأكيد على أنّ يسوع حقّقها بتجسّده من العذراء مريم. آية مرور الجمل من ثقب مستحيلة الحدوث، ولكن حيث الله فكلّ شيء مستطاع. ثانيًا، سرّ إفراغه لذاته. السرّ الأوّل يتبعه سرّ آخر، ملازم له ومرتبط به. فالغنيّ الذي عليه أن يحقّق صورة مرور الجمل من ثقب الإبرة، لا بدّ له من أن يصير صغيرًا لدرجة يمكنه فيها أن يمرّ من هذا الثقب. هذا يعني أن يُفرغ ذاته كليًّا، حتّى الامّحاء، ما يجعل مروره من ثقب الإبرة ممكنًا. يسوع، الغنيّ، أفرغ ذاته صائرًا إنسانًا مثلنا. الغنيّ صار فقيرًا ليُغْني الفقراء فيصيروا أغنياء به. ثالثًا، سرّ ملكوت المحبّة. إنّ دخول الغنيّ ملكوت الله لا يُفهم إلّا من زاوية تحقيقه لشرعة هذا الملكوت. وملكوت الله هو ملكوت محبّته، تلك المحبّة التي لا تطلب لذاتها شيئًا. فالغنيّ هو مَن اغتنى من إفراغه لذاته بالمحبّة، فاستوتْ المحبّة على عرش نفسه ملكةً متوَّجةً إلى الأبد. بتأنّسه، افتقر يسوع من أجلنا، لكنّه أغنانا بمحبّته، حتّى أنّه، إن افتقرنا من أجله، ملكَتِ المحبّةُ فينا وصرنا بها أبناء ملكوت أبيه السماويّ. هذا سرّ مَن افتقر فاغتنى بالله وبات غنيًّا بمحبّته وعضوًا في ملكوته. هذا هو عمل المعلّم الصالح الذي شاء أن يتوجّه إليه هذا الشابّ الغنيّ، فكشف له يسوعُ معالـمَ تدبيره من أجلنا عندما أودعه تعليمه الخالد: «إن أردتَ أنْ تكون كاملًا فاذهبْ وبِعْ أملاكك وأَعطِ الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعالَ اتبعْني» (متّى ١٩: ٢١). بهذا أعطانا يسوع أن نصير تلاميذه. دونك بعض عناصر هذه التلمذة: أوّلًا، بأن نكتشف دعوتنا الحقيقيّة، تلك الخاصّة بكلّ منّا، وتلك العامّة بالإنسان. فالكمال الذي يطرحه يسوع علينا ليس صوريًّا، بل حقيقيّ، ينمي كلّ منّا بحسب المواهب التي أُعطيت له فاستثمرها ونـمّاها ووضعها في الخدمة، كما يقيمنا في الغاية من كلّ شيء، ألا وهي أن ننمو في المحبّة. ثانيًا، أن نتعلّم أن نطلب النصيب الصالح الذي لا يُنزَع منّا. وهذا يقتضي أن نتخلّى عـمّا يمكن أن يعيق نموّنا في المحبّة، محبّة الله ومحبّة القريب، فلا ينتصب شيء أو امرئ أو روح عائقًا أمام أن نعطي ذواتنا وما لنا لتكون هذه المحبّة مستقرّة فينا. طريق الافتقار من أجل الله، من أجل محبّته ومحبّة القريب، يحرّرنا من عبوديّتنا لأهوائنا وشهواتنا وخطايانا كما ولكثير من الأمور والاعتبارات والأشخاص. ثالثًا، أن نصير تلاميذ ليسوع بمحبّته لأبيه ومحبّته للإنسان. هذا يقتضي أن نلتصق بكلمته ومثاله ووصيّته، أن نسير في إثره، طالما أنّه كشف لنا طريق الاتّضاع كطريق فضلى لتملك المحبّة فينا، وطلب إلينا أن نقتدي به، ونتبعه في ثنايا حياتنا اليوميّة، دون أن نلتصق بإنجازات أو مكتسبات ظرفيّة، ودون أن ننظر إلى الوراء فنخسره، ودون أن نطلب الجوائز فتحجب عنّا معطيها ونخسره بسببها. فمَن يستطيع أن يخلُص؟ ذاك الذي يتغلّب على حزنه، مهما كانت طبيعته أو مسبّباته، الذي ينفتح على الله بالتوبة، الذي ينطلق إليه غير آبه بالثمن الذي يكلّفه، الذي يتوب دومًا من كلّ القلب عن إخفاقه عن اتّباعه ليسوع فيعود إليه بانسحاق. هذا يُغنيه اللهُ بنعمته، ويقيمه على جميع أمواله، أي معلّمًا لأترابه في هذا الطريق، مرشدًا إيّاهم وشفيعًا لهم ومدبّرا صالحًا لنعمته، حتّى لا يبقى أحد منهم حزينًا أو أسيرًا لغنى من هذا العالم، ولا يغتني بالكلمة الإلهيّة ويعيش بها. ألا اهدِنا أيّها المعلّم الصالح إلى أن نطلبك كلّ يوم، وأن نتعلّم اتّباعك في طريق الاتّضاع والفقر والمحبّة، وأن نستغني عمّا يخرجنا عن هذا الطريق فنتخلّى عنك، وأن نؤمن أنّك قادر على أن تخلّصنا فنلتصق بك. هلّا شكرنا مَن دَلّنا عليك وأعاننا أن نتغلّب على حزننا وقادنا إلى أن نفرح بك؟ + سلوان
الرسالة: عبرانيين ٩: ١-٧ يا إخوة إنّ العهد الأول كانت له أيضًـا فرائض العبادة والقدس العالمي لأنه نُصب المسكن الأول الذي يقال له القُدس وكانت فيه المنارة والمائدة وخبز التقدمة. وكان وراء الحجاب الثاني المسكن الذي يقال له قدس الأقداس وفيه مستوقد البخور من الذهب وتابوت العهد المغشّى بالذهب من كل جهة فيه قِسط المنّ من الذهب وعصا هرون التي أفرخت ولوحا العهد. ومن فوقه كاروبا المجد المظلِّلان الغطاء. وليس هنا مقام الكلام في ذلك تفصيلا. وحيث كان ذلك مهيأ هكذا فالكهنة يَدخلون إلى المسكن الأول كلّ حين فيتمّون الخدمة، واما الثاني فإنما يدخله رئيس الكهنة وحده مرّة في السنة ليس بلا دم يقرّبه عن نفسه وعن جهالات الشعب.
الإنجيل: متّى ١٩: ١٦-٢٤ في ذلك الزمان دنا إلى يسوع شابّ وجثا له قائلًا: أيّها المعلّم الصالح ماذا أَعمل من الصلاح لتكون لي الحياة الأبديّة؟ فقال له: لماذا تدعوني صالحًا وما صالح إلّا واحد وهو الله؟ ولكن إن كنتَ تريد أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا. فقال له: أيّة وصايا؟ قال يسوع: لا تقتل، لا تزنِ، لا تسرق، لا تشهد بالزور، أَكرمْ أباك وأُمّك، أَحبب قريبك كنفسك. فقال له الشابّ: كلّ هذا قد حفظتُه منذ صبائي، فماذا ينقصني بعد؟ قال له يسوع: إن كنتَ تريد أن تكون كاملًا فاذهب وبع كـلّ شيء وأَعطه للمساكين فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني. فلمّا سمع الشابّ هذا الكلام مضى حزينًا لأنّه كان ذا مالٍ كثير. فقال يسوع لتلاميذه: الحقّ أقول لكم إنّه يعسر على الغنيّ دخول ملكوت السماوات؛ وأيضًا أقول لكم إنّ مرور الجمل من ثقب الإبرة لأسهل من دخول غنيّ ملكوت السماوات. فلما سمع تلاميذه بُهتوا جدًّا وقالوا: من يستطيع إذًا أن يخلُص؟ فنظر يسوع إليهم وقال لهم: أمّا عند الناس فلا يُستطاع هذا، وأمّا عند الله فكلّ شيء مستطاع.
«أعراسنا» لم أعد أفهم الناس، ولا أجد قلبي مرتاحًا لما أراه وأسمعه. كأننا نركض نحو المظاهر، نخلع عنّا وقارنا، نلبس ما لا يشبهنا، ونرقص على قبر القيم. لماذا صار الفرح استعراضًا؟ لماذا نخلط بين الجمال والتعرّي، بين الأناقة والابتذال؟ هل صرنا نخجل من الحياء؟ هل صار الاحتشام تخلّفًا؟ أنظرُ إلى أعراس الملوك، فأرى رُقيًّا، واحتشامًا، واحترامًا للمكان وللناس. فلماذا، حين نفرح نحن، ننسى أنفسنا؟ لماذا نخجل من البساطة؟ من الجمال الهادئ، ومن الاحتشام الذي لا يحتاج إلى تبرير؟ تعلو الموسيقى، وتخفت العقول، وتذوب الكلمات في ضجيج لا طعم له. كأننا نبحث عن شيء لا نملكه، فنملأ الفراغ بأضواء مزيفة. *** أشتاق إلى أعراسٍ كان الحياء فيها زينة، وكانت البرَكة أهم من عدد المصوّرين. أشتاق إلى أعراسٍ كان القلب يحتفل فيها قبل الجسد. أشتاق إلى فرحٍ لا يؤذيني وأنا أبتسم، ولا يُخجلني وأنا أعود منه. أشتاق إلى ضحكات صادقة، وزغاريد تنبع من حبّ، لا من تصنُّع. أشتاق إلى ملابس لا تستحي العيون من النظر إليها. أشتاق إلى أيامٍ كان الفرح فيها هادئًا، كالخجل الجميل في نظرة عروس، كالدمعة التي تختبئ من شدة الامتنان، كالدعاء الصادق من أمّ ترفع يديها في صمت. *** كفى زيفًا في فرحنا، وكفى جهلًا بقيمة ما نملك. ليس العيب في أن نفرح، بل في أن نربط الفرح بالتجرّد من الحياء، والأناقة بالفجور، والجمال بالتجاوز. لنعد قليلًا إلى البساطة، إلى المعنى. لنعد إلى فرحٍ يشبه أرواحنا، لا ما يُفرض علينا من وهم «الموضة» و»التْرِنْد». فما أجمله عرسًا يشبه نور الروح، لا «بازار» الجسد، وما أصفاه فرحًا يولد من القلب، لا من عدسات الهواتف.
زنار والدة الإله في حوالى العام ٨٨٨م، وحين كانت زوجة الأمبراطور لاون السّادس الحكيم، المدعوّة زويي، مريضة مرضًا شديدًا بتأثير الرّوح الخبيث، أُعلمت في رؤيا حصلت معها أنّها ستنال الشّفاء بوضع زنّار والدة الإله عليها. للحال فكّ الأمبراطور أختام الصّندوق الذي احتوى الإرث الثّمين الذي يحوي الزّنّار المقدّس ليجده بهيًّا جديدًا كما لو حيك العشيّة. وبجانب الزّنّار كانت وثيقة تشير، بدقّة، إلى التّاريخ الذي جرى فيه نقل الزّنّار إلى القسطنطينيّة وكيف أنّ الأمبراطور نفسه وضعه في الصّندوق وختمه بيديه. قبّل الإمبراطور لاون الزنار بإكرام شديد وسلّمه إلى البطريرك باليد. وما أن وضعه البطريرك على رأس الإمبراطورة حتّى شُفيت من مرضها على الفور فانذهل كل الحاضرين لما شاهدوه ومجّد الجميع الرب يسوع المسيح المخلّص مكرمين والدة الإله الكلّية القداسة. أُعيد الزّنّار إلى الصّندوق بعدما اشتملته الإمبراطورة بخيطان من ذهب. الزنار في جبل آثوس: من المتناقل أنّ القيصر البلغاري Asen (١١٨٧ - ١١٩٦)، لـمّا قهر الأمبراطور إسحق الثّاني آنج (١١٩٠م)، استأثر بالصّليب الذي كان فيه جزء من الزنّار المقدّس، وإنّ كاهنًا ألقاه في النّهر لئلا يتدنّس. هذا استعاده الصّرب فقدّمه الأمير القدّيس لعازر (١٣٨٩م) إلى دير فاتوبيذي، في جبل آثوس حيث لا يزال محفوظًا إلى اليوم. رائحة طيب من الزنار: يعبق الزنار بالطيِّب الزكي ويجري به عدد كبير من العجائب.
غزة صدر عن بطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية والبطريركية اللاتينية في القدس بتاريخ ٢٦ آب ٢٠٢٥ بيانًا مشتركًا بعنوان: «طريق العدل يؤدي إلى الحياة، والسير فيه يُنجّي من الموت» (أمثال ١٢:٢٨)، جاء فيه: قبل بضعة أسابيع، أعلنت الحكومة الإسرائيلية عن قرارها بالسيطرة على مدينة غزة. وخلال الأيام الأخيرة، أفادت وسائل الإعلام مرارًا عن تعبئة عسكرية ضخمة واستعدادات لهجوم وشيك. وتشير نفس التقارير إلى أن سكان مدينة غزة، حيث يعيش مئات الآلاف من المدنيين - وحيث تقع أيضًا كنائسنا- سيتمّ إجلاؤهم ونقلهم إلى جنوب القطاع. وفي وقت صدور هذا البيان، كانت أوامر الإخلاء قد صدرت بالفعل لعدة أحياء في مدينة غزة. ولا تزال التقارير تتوالى عن قصف مكثّف. وهناك المزيد من الدمار والموت في وضع كان مأساويًا بالفعل قبل بدء العملية. يبدو أن إعلان الحكومة الإسرائيلية بأن «أبواب الجحيم ستُفتح» يتخذ بالفعل أشكالًا مأساوية. إن خبرة الاجتياحات السابقة لغزة، والنيّات المعلنة للحكومة الإسرائيلية بشأن العملية الحاليّة، والتقارير الواردة من الميدان، كلّها تشير إلى أن هذه العملية ليست مجرد تهديد، بل حقيقة يجري تنفيذها بالفعل. منذ اندلاع الحرب، أصبح مُجمَّع كنيسة القديس بورفيريوس للروم الأرثوذكس ومُجمَّع كنيسة العائلة المقدسة في مدينة غزة ملاذًا لمئات المدنيين، من بينهم كبار السن والنساء والأطفال. وفي مجُمّع كنيسة اللاتين يعيش منذ سنوات طويلة أشخاص من ذوي الإعاقة، يتلقَّون الرعاية على يد جمعيّة مرسَلات المحبة. وكما هي الحال بالنسبة لباقي سكان مدينة غزة، سيتعيّن على اللاجئين الذين احتمَوا داخل أسوار هذين الـمُجمَّعين أن يقرّروا ما سيفعلونه وفقًا لضميرهم. ويعاني الكثيرون منهم من الهُزال وسوء التغذية بسبب الصعوبات التي واجهوها خلال الأشهر الماضية. إن مغادرة مدينة غزة ومحاولة الفرار إلى الجنوب ستكونان بمثابة إعلان حُكمٍ بالإعدام عليهم. ولهذا السبب، قرّر الكهنة والراهبات البقاء والاستمرار في رعاية جميع من سيبقَون في رِحاب المجمّعَيْن. نحن لا نعلم بالضبط ما سيحدُث على أرض الواقع، ليس فقط لرعيّتنا، بل لجميع السكّان. ولا يسعنا إلا أن نكرّر ما قلناه سابقًا: لا يمكن أن يكون هناك مستقبل قائم على الأسر أو تشريد الفلسطينيين أو الانتقام منهم. ونردّد ما قاله البابا لاون الرابع عشر قبل أيام: «يجب على الأقوياء احترام جميع الشعوب، حتى أصغرها وأضعفها، في هويتها وحقوقها، وخصوصًا حقّها في العيش على أرضها؛ ولا يجوز لأحد أن يُجبرها على المنفى القسريّ» (خطاب إلى مجموعة من لاجئي تشاغوس، ٢٣/٨/٢٠٢٥). هذه ليست الطريقة الصحيحة. لا يوجد أي مبرّر للتهجير الجماعي المتعمّد والقسري للمدنيين. لقد حان الوقت لإنهاء دوامة العنف، ووضع حدّ للحرب، وإعطاء الأولوية للخير العام. جرى ما يكفي من الدمار، في الممتلكات وفي حياة الناس. ولا يوجد أي مبرّر لاحتجاز المدنيين كأسرى ورهائن في ظروف مأساوية. وحان الوقت لتعافي العائلات التي عانت كثيرا، من أي طرف كانت. وبنفس القدر من الإلحاح، نناشد المجتمع الدولي أن يتحرّك لإنهاء هذه الحرب العبثيّة والمدمرة، ولعودة المفقودين والرهائن الإسرائيليين. بالفعل، «طريق العدل يؤدّي إلى الحياة، والسير فيه ينجّي من الموت» (أمثال ١٢:٢٨). لنتضرّع إلى الله كي تتوبَ قلوبُنا إليه، فنسيرَ في دروبِ العدل والحياة، من أجل غزة ومن أجل الأرض المقدّسة بأسرها. |
Last Updated on Friday, 29 August 2025 09:06 |